أعجبني كثيرا أسلوبه وثقته وهو يتحدث , كان الجمع أشبه بالصعاليك عندما طرح وجهت نظره وناقشهم, يرد على كل تساءل ويدافع عن وجهة نظره - لا بعصبية وقول "هذا رأيي" - بل بواقعية ومنهجية منطقية تسلسلية .
أعلم أنه مشغول !!! وبالرغم من ذلك إنتاجيته عالية !!! دائما متواجد إيجابيا في مختلف المجالات !!! إذا سألته وجدته مطلع في عموم الساحات الفكرية !!! متواجد في عموم الإلتزامات الإجتماعية وغيرها !!!
أتعجب وأنت أيضا مثلي تتعجب !!! من أين يأتي بالوقت لكل هذا ؟؟؟
أخبرني من أي المتاجر تشتري وقتك !!! فسأشتريه بأي ثمن كان !!!
هذا الحوار يجهر به بعضنا , وكثيرا منا يكون يكتمه في نفسه . لا أشك بوجود مثل هذه الحوارات النفسية , لأن من العوامل الطبيعية التي تجمع بني الإنسان السعي الى التطوير - كأحلام , أو أماني - فكلنا نتمنى بأن نصل الى درجة أفضل ولكن القليل منا يسعى الى العمل تجاه ذلك .
بعد استضافتنا اليوم للبروفيسور مايكل هارفي , وبعيدا عن لب المحاضرة والتي تطرق فيها الى كيفية التميز في النشر الأكاديمي , خرجت من لقاء اليوم بمفهوم أزعم أنه سر من أسرار النجاح في أي مجال , من وجهة نظر شخصية ولا تستعجل فسآتي لك بالحجة لما أقول .
إن المتتبع لسيرة العظماء من السلف والمعاصرين , يجد أن هناك عوامل مشتركة تجمع جميع هاؤلاء العظماء ونتج عن هذا الإهتمام العديد من الأبحاث العلمية , ولعل من أشهر الدراسات الغربية في هذا المجال هي دراسة ستيفن كوفي "العادات السبع للناس الأكثر فعالية" ومن هذه العادات: المبادرة الإيجابية - إبدأ وعينك على الهدف النهائي - ترتيب الأولويات (وأبدأ بالأهم) - كلنا سنربح (ليس هناك خاسر) - الفِهم قبل الفَهم (إفهم قبل أن تفهم) - الإندماج والتلاحم مع الآخرين - شحذ الهمة والتجديد . لن أخوض الكثير في هذه العادات لأن صاحب النظرية أشبعها شرحا .
ولكني عندما راجعت هذه النظرية وجدت أن الباحث غفل عن جانب مهم من الجوانب المؤدية الى نجاح العظماء .
وهذا الجانب هو - الإستمرارية والإنضباط على برنامج ثابت ومحدد وواضح بشكل دوري ومستمر - وسأستدل بالأمثلة التالية على ما أقول :
لو طبقنا مفهوم العادات السبع على مثال البروفيسور مايكل هارفي وهو أحد أشهر الباحثين في مجاله وأكثر الباحثين نشرا في مجاله , فلو افترضنا أنه مبادر - ويبدأ بالهدف النهائي - ويفهم قبل أن يفهم - ويندمج مع الآخرين وووو الى آخر العادات السبع , نجد أن الذي صنع الفرق حقيقة هو أنه منظبط ومستمر منذ أن نشأ على التالي كما ذكر في محاضرته :
"كان نهجي العملي لفترة طويلة من حياتي أن أعمل 365 يوما في السنة دون انقطاع , حتى ولو كانت تلك الأيام أيام رأس السنة أو الأعياد أو إجازتي"
أمثلة أخرى أدق لتتضح الصورة :
طارق السويدان يقول "منذ أن وضح هدفي في حياتي وضعت هدفا أن أقرأ عدد "؟" كتاب في الشهر" , وهو الآن معروف بموسوعية إطلاعه ...
يقول مايكل هارفي عن زميله د. ستيف روبينز مألف لأكثر من 20 كتاب في مجال الإدارة "أستيقظ يوميا من الساعة 4ص وأكتب مالدي يوميا من الساعة 5ص حتى 9ص, إن هذه الفترة فترة ميتة فزوجتي وأبنائي في هذه الفترة نائين ولا تكثر المقاطعات , وبقية يومي أفعل ما أشاء....".
والأمثلة من سلفنا الصالح كثيرة على إنضباطهم في طلب العلم لسنين عديدة والأئمة الأعلام خير دليل على ذلك وقصة عالم الأندلس بقي ابن مخلد الذي طلب العلم مشيا على الأقدام من الأندلس الى بغداد لمصاحبة الإمام أحمد ابن حنبل - حيث استغرقت المسافة 5 سنوات - وعندما وصل الى بغداد كان الإمام رحمه الله في الإقامة الجبرية في منزله والقصة مشهورة حتى أنه استمر في زيارة الإمام بصفة أنه رجل فقير 12 سنة في سبيل طلب الحديث ...
والأمثلة كثيرة على ذلك , والعامل المشترك هو
الإنظباط , الإنظباط , الإنظباط
والإستمرارية لفترة طويلة على برنامج واضح لتصل الى ما تريد
لا تتخيل أن هؤلاء العظماء أمضوا أوقاتهم في السمر والهرج والمرج , ولا نتخيل أيضا أن حياتهم كلها جد واجتهاد وعمل ومثابرة .
كانوا منظبطين في جدول مستمر يوميا وبشكل دوري غير متقطع لفترة طويلة أوصلتهم الى ماهم عليه مع توافق مع جوانب الحياة الأخرى .إن غياب الإنظباط والإستمرارية في حياتنا سيرمي بكثير من أهدافنا الى سلة الأحلام .
ولو عممنا هذا المفهوم من الأفراد على الجماعات نجد أن أكثر الشعوب إنظباطا واستمرارية فيما تقوم به هي المجتمعات التي تسيدت العالم ومثال اليابان , ماليزيا خير دليل على ذلك . فهم وضعوا هدفا وعملوا باستمرار وانظباط الى أن صنعو الفرق بينهم وبين الشعوب الأخرى .
أفلا تتفق معي أن
الإستمرارية والإنظباط
سر من أسرار النجاح؟
الحياة قصيرة ( 65 عاما كمعدل عام )
25 عاما منها تهيئة
فكم بقي من الوقت ليضيع ؟؟
ضع هدف
والزم نفسك ببرنامج ثابت بشكل متدرج للوصول الى هدفك
هذا الذي سيصنع الفرق
وهو ما نحتاجه