شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
 
 
قديم 08-21-2009, 04:26 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي سلسلة بين يدي سورة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
أخي ألعزيز السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ,,,
أضع بين يديك سلسلة عرض سور القران والذي سيكون على شكل حلقات يومية تهدف إلى الاستفادة المثلى من قراءة القران في شهر القران ، وتشجيعك وتفاعلك سيساهم في إنجاح هذا المشروع بإذن الله.
هذا العرض يعتمد بالدرجة الأولى على تقديم "في ظلال القران" بين يدي السور بتصرف واختصار، ويتميز هذا التقديم بتجسيد السورة ككيان متكامل له هدف ورسالة. و في اعتقادي أن قراءة هذا التقديم يساعدنا في تدبر القران والشعور بمتعة اكبر عند إدراكنا للصورة الكاملة.

أسأل الله أن يجعلنا من أهل القران الذين هم أهله وخاصته.

أخوك المفتقر لدعائك

أبو المعتصم
حسن


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-21-2009, 04:31 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

سورة البقرة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة ، وهي أطول سور القرآن على الإطلاق، وقد ورد في فضلها وفضل بعض اياتها أحاديث كثيرة، ففيها اعظم آية في كتاب الله عز وجل.

هذه السورة تضم عدة موضوعات، لكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد بخطين رئيسيين، فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة ، واستقبالهم لها ، ومواجهتهم لرسولها صلى الله عليه وسلم وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها ، وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة ، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى.

ومن الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها ; وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض ، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم عليه السلام ، كما تبصر الجماعة المسلمة وتحذرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم .

تبدأ السورة بوصف تلك الطوائف التي كانت تواجه الدعوة أول العهد بالهجرة - بما في ذلك تلك الإشارة إلى "الشياطين" اليهود الذين يرد ذكرهم فيما بعد مطولا - وتلك الطوائف هي التي تواجه هذه الدعوة على مدار التاريخ بعد ذلك. ثم تمضي السورة على محورها بخطيه الأساسيين إلى نهايتها. في وحدة ملحوظة ، تمثل الشخصية الخاصة للسورة ، مع تعدد الموضوعات التي تتناولها وتنوعها .

فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى: المتقين ، والكافرين ، والمنافقين. وبعد الإشارة الضمنية لليهود بالشياطين. نجد دعوة للناس جميعا إلى عبادة الله والإيمان بالكتاب المنزل على عبده، وتحدي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله، وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنة، ثم نجد التعجب من أمر الذين يكفرون بالله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ، ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون 28 .... البقرة).

وعند هذا المقطع الذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...30). وتمضي القصة تصف المعركة الخالدة بين آدم والشيطان حتى تنتهي بعهد الاستخلاف - وهو عهد الإيمان (قلنا:اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 39).

بعد هذا يبدأ السياق جولة واسعة طويلة مع بني إسرائيل تتخللها دعوتهم للدخول في دين الله وما أنزله الله مصدقا لما معهم مع تذكيرهم بعثراتهم وخطاياهم والتوائهم وتلبيسهم منذ أيام موسى - عليه السلام - وتستغرق هذه الجولة كل هذا الجزء الأول من السورة .

ومن خلال هذه الجولة ترتسم صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه. لقد كانوا أول كافر به. وكانوا يلبسون الحق بالباطل . وكانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم . وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه . وكانوا يخادعون الذين آمنوا بإظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذر بعضهم بعضا من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته ! وكانوا يريدوا أن يردوا المسلمين كفارا . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم - كما كان النصارى يدعون هذا أيضا - وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل - عليه السلام - بما أنه هو الذي حمل الوحي إلى محمد دونهم ! وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ومجيئها من عند الله تعالى - كما فعلوا عند تحويل القبلة - وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين. كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين.

ومن ثم تتضمن السورة حملة قوية على أفاعيلهم هذه ; وتذكرهم بمواقفهم المماثلة من نبيهم موسى - عليه السلام - ومن شرائعهم وأنبيائهم على مدار أجيالهم. وتخاطبهم في هذا كأنهم جيل واحد متصل، وجبلة واحدة لا تتغير ولا تتبدل.

وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم ، وهم على هذه الجبلة الملتوية القصد ، المألوفة الطبع . كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون، بما أنهم ورثة إبراهيم عليه السلام. وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته ، ويتقيدون بعهده مع ربه ; وأن وراثة إبراهيم عليه السلام قد انتهت إذن إلى محمد عليه الصلاة والسلام والمؤمنين به، بعد ما انحرف اليهود وبدلوا ونكلوا عن حمل أمانة العقيدة، والخلافة في الأرض بمنهج الله ; ونهض بهذا الأمر محمد والذين معه. وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وهما يرفعان القواعد من البيت (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم 129).

وعند هذا الحد يبدأ سياق السورة يتجه إلى النبي عليه الصلاة و السلام وإلى الجماعة المسلمة من حوله ; حيث يأخذ في وضع الأسس التي تقوم عليها حياة هذا الجماعة المستخلفة على دعوة الله في الأرض ، وفي تمييز هذه الجماعة بطابع خاص ، وبمنهج في التصور وفي الحياة خاص .

ويبدأ في هذا بتعيين القبلة التي تتجه إليها هذه الجماعة. وهي البيت المحرم الذي عهد الله لإبراهيم وإسماعيل أن يقيماه ويطهراه ليعبد فيه الله وحده ، هذه القبلة التي كان النبي عليه الصلاة و السلام يرغب ولا يصرح في الاتجاه إليها (قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ...144).

ثم تمضي السورة في بيان المنهج الرباني لهذه الجماعة المسلمة . منهج التصور والعبادة ، ومنهج السلوك والمعاملة ، تبين لها أن الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء . وأن الإصابة بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليس شرا يراد بها ، إنما هو ابتلاء ، ينال الصابرون عليه صلوات الله ورحمته وهداه. وأن الشيطان يعد الناس الفقر ويأمرهم بالفحشاء والله يعدهم مغفرة منه وفضلا . وأن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. وتبين لهم بعض الحلال والحرام في المطاعم والمشارب. وتبين لهم حقيقة البر لا مظاهره وأشكاله. وتبين لهم أحكام القصاص في القتلى. وأحكام الوصية. وأحكام الصوم. وأحكام الجهاد. وأحكام الحج. وأحكام الزواج والطلاق مع التوسع في دستور الأسرة بصفة خاصة. وأحكام الصدقة وأحكام الربا. وأحكام الدين والتجارة.

وفي مناسبات معينة يرجع السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل من بعد موسى . وعن حلقات من قصة إبراهيم عليه الصلاة و السلام. ولكن جسم السورة - بعد الجزء الأول منها - ينصرف إلى بناء الجماعة المسلمة، وإعدادها لحمل أمانة العقيدة، والخلافة في الأرض بمنهج الله وشريعته. وتمييزها بتصورها الخاص للوجود ، وارتباطها بربها الذي اختارها لحمل هذه الأمانة الكبرى .

وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها ، فيبين طبيعة التصور الإيماني، وإيمان الأمة المسلمة بالأنبياء كلهم ، وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه ، مع السمع والطاعة (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا:سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين 286 البقرة).

ومن ثم يتناسق البدء والختام ، وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان .


* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


روابط اخترتها لك:

* أعظم ما فيه

* غفرانك ربنا وإليك المصير

* بين الاستعاذة و البسملة

* الحمد لله

* بين إياك نعبد وإياك نستعين

* إهدنا

* العلم والعمل


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-23-2009, 04:01 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،

إن معجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة، وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها، ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية.

إن مما يساعد على الاستفادة المثلى من قراءة القران أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; و نتمثلها في بشريتها الحقيقية ، وفي حياتها الواقعية ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة. ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى.

وهذه السورة "آل عمران" تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد "غزوة بدر" إلى ما بعد "غزوة أحد" والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة.

كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش. وكان هذا النصر تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة. بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة للتعايش مع الواقع الجديد، وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود، الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين، وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد.

وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم، كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة . غير متناسق تماما . فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد . الجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يكفي. فقد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل. وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله. فلعلهم قد وقع في نفوسهم - من هذا النصر - أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره . و أنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق !

غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة، فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس ، وتكوين الصفوف ، وإعداد العدة ، وإتباع المنهج، والتزام الطاعة والنظام. وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في "غزوة أحد" على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا، وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء .

وحين نراجع غزوة أحد من خلال عرض السورة لها ( من أية 120 وإذ غدوت من اهلك ) نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم . كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة و تغوص حلق المغفر في وجنته عليه الصلاة والسلام، الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين !

يسبق استعراض "غزوة أحد" وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة ، والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب ، سواء منها ما هو ناشئ من انحرافاتهم هم في معتقداتهم ، وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة . هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها . وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ، ويتحفزون من حولها، ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل . وفي أولها زعزعة العقيدة ! و هي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها.

وعلاقة قصة معركة احد بالمقطع الأول في السورة ظاهرة. فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته، كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض . مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة . ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية .

ونمضي إلى ختام السورة - بعد فصل غزوة أحد - فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية ، يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون [ كتاب الله المنظور ] وإيحاءاته للقلوب المؤمنة . . ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب، على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب...). وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه . وخشوع القلب وتقواه . ثم تجيء الاستجابة من الله - سبحانه - فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله (فاستجاب لهم ربهم ... )

ثم يذكر أهل الكتاب - الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول - ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم . فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ..)

وتختم السورة بدعوة المسلمين - بإيمانهم - إلى الصبر و المصابرة والمرابطة والتقوى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). . وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا. غير أن التعريف المجمل بهذه السورة لا يتم حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها ، تتناثر نقطها في السورة كلها:

الخط الأول : بيان معنى "الدين" ومعنى "الإسلام" . ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ . نضرب له بعض الأمثلة:

(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) ، (إن الدين عند الله الإسلام).

الخط الثاني: تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له ، ونضرب له كذلك بعض الأمثلة (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) ، (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)

الخط الثالث: التحذير من ولاية غير المؤمنين ، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ، (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)

وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة، في تقرير التصور الإسلامي، وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله، وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله.

فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل بقراءة متأنية متأملة...


* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"



روابط اخترتها لك:


* كلٌ بحسبه

* فاستجاب لهم ربهم


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-24-2009, 04:20 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

سورة النساء مدنية وآياتها ست وسبعون ومائة وهي أطول سور القرآن - بعد سورة البقرة - و هذه السورة تمثل جانبا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة ، وإنشاء المجتمع الإسلامي ; وفي حماية تلك الجماعة. كما تصور طبيعة هذا الكائن الإنساني وتفاعله مع المنهج الرباني وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد ، من السفح الهابط ، إلى القمة السامقة، خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة.

إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه ; وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه، وجلاء شخصيته الخاصة. والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - اليهود والمشركين- وأعدائه المتميعين فيه - المنافقين- وكشف وسائلهم وحيلهم ومكايدهم. مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط.

وحين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء، قد ينالنا الدهشة لعمق هذه الرواسب. والذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية، يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار "الأميين" في الجزيرة العربية، في ذلك الحين، لهذه الرسالة العظيمة . حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة، بكل مقوماتها، ليعرف فيهم أثر هذا المنهج ، وليتبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة، التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر، في كل ما عرفت الأرض من مناهج ، وليرتسم فيهم خط هذا المنهج، بكل مراحله - من السفح إلى القمة - وبكل ظواهره، وبكل تجاربه ; ولترى البشرية - في عمرها كله - أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة، أيا كان موقفها في المرتقى الصاعد. سواء كانت في درجة من درجاته ، أم كانت في سفحة الذي التقط منه "الأميين" ! فماذا نحن واجدون - في هذه السورة - من ملامح المجتمع الجاهلي التي ظلت راسبة في الجماعة المسلمة؟

نجد مجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام - وبخاصة اليتيمات - في حجور الأهل والأولياء والأوصياء ، ويستبدل الخبيث منها بالطيب ، ويعمل فيها بالإسراف والطمع ، خيفة أن يكبر اليتامى فيستردوها ! وتحبس فيه الصغيرات من ذوات المال ، ليتخذهن الأولياء زوجات ، طمعا في مالهم لا رغبة فيهن !

ونجد مجتمعا يجار فيه على الصغار والضعاف والنساء ; فلا يسلم لهم فيه بنصيبهم الحقيقي من الميراث. إنما يستأثر فيه بمعظم التركة الرجال الأقوياء، القادرون على حمل السلاح ; ولا ينال الضعاف فيه إلا الفتات.

ونجد مجتمعا يضع المرأة موضعا غير كريم ، ويعاملها بالعسف والجور . في كل أدوار حياتها . يحرمها الميراث - كما قلنا - أو يحبسها لما ينالها منه ; ويورثها للرجل كما يورثه المتاع ! علاوة على اضطراب قواعد التبني والولاء، واصطدامها مع قواعد القرابة والنسب، فوق ما فيه من فوضى في العلاقات الجنسية والعائلية.

وإن كنا نقر بأنه لم يكن - قطعا - مجتمعا بلا فضائل . فقد كانت له فضائله ، التي تهيأ بها لاستقبال هذه الرسالة الكبرى. ولكن هذه الفضائل إنما استنقذها الإسلام استنقاذا ، ووجهها الوجهة البناءة . وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام هذه الرذائل، مفرقة غير متجمعة، وضائعة غير موجهة.

لذا نجد الهدف الأساسي هو تنظيم المجتمع المسلم على أساس التكافل والتراحم. كما نجد هدفا آخر لا يقل عنه عمقا ولا أثرا في حياة المجتمع المسلم - إن لم يكن هو الأساس الذي يقوم عليه الهدف الأول - ذلك هو تحديد معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ، وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الفرد وحياة المجتمع بذلك المعنى المحدد للدين ، وهذا التعريف المضبوط للإيمان والإسلام .

ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ...) (من يطع الرسول فقد أطاع الله 80). .(ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا 115).

كما نجد آية الافتتاح تقرر وحدة البشرية ، وتدعو الناس إلى رعاية وشيجة الرحم ، وتعد مقدمة لسائر التنظيمات التي تلتها في السورة . تبدأ بدعوة الناس إلى تقوى ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) وتنتهي إلى تقواه، وتحذيرهم من رقابته (إن الله كان عليكم رقيبا). كما نجد الآيات التي تحض على رعاية أموال اليتامى، تنتهي بالتذكير بالله (وكفى بالله حسيبا). وتوزيع أنصبة الميراث في الأسرة يجيء وصية من الله (يوصيكم الله في أولادكم) (فريضة من الله). . وتنتهي تشريعات الإرث بهذا التعقيب (تلك حدود الله...) وهكذا ترتبط سائر التنظيمات والتشريعات بالله ، وتستمد من شريعته ، وترجع الأمور كلها إلى هذه القيادة التي لها وحدها حق الطاعة والإتباع.

ويترتب على إقرار ذلك الأصل الكبير أن يكون ولاء المؤمنين لجماعتهم المؤمنة. وإلا فهو الشرك أو النفاق ، وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال (ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم ، وساءت مصيرا . إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا).

ويستتبع هذا الأمر حملة ضخمة للحض على الجهاد بالنفس والمال ، والتنديد بالمعوقين والمبطئين والقاعدين . وهي حملة تستغرق قطاعا كبيرا من السورة ، يرتفع عندها نبض السورة الهادئة الأنفاس ! ويشتد إيقاعها ، وتحمى لذعاتها في التوجيه والتنديد ! وكذلك تجيء في ثنايا الحديث عن الجهاد بعض الأحكام الخاصة بالصلاة في حالة الخوف وحالة الأمن ; مع توصيات الله للمؤمنين وتحذيرهم من أعدائهم المتربصين.

ويستتبع الأمر بالجهاد كذلك حملة ضخمة على المنافقين وعلى موالاتهم لليهود في المدينة بينما هم يكيدون لدين الله، وللجماعة المسلمة، وللقيادة المسلمة كيدا شديدا (ويقولون طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ...). والباعث الرئيسي لهم (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ، وآتيناهم ملكا عظيما).

كما تقرر السورة وحدة الألوهية وحقيقة العبودية، وتبين حقيقة قدر الله وعلاقته بخلقه، وحقيقة الأجل وعلاقته بقدر الله، وحدود ما يغفره الله من الذنوب، وحدود التوبة وحقيقتها وقواعد العمل والجزاء... إلى آخر هذه المقومات الاعتقادية الأصيلة.

ومما نجده جليا في هذه السورة أمر الله للأمة المسلمة بالأمانة المطلقة، وبالعدل المطلق "بين الناس" على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، وقومياتهم وأوطانهم. فيقول لهم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا).

ونجد الآيات ذوات العدد من القرآن تتنزل لإنصاف يهودي "فرد" من اتهام ظالم، وجهته إليه عصبة من المسلمين، ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادئ السامقة بعد ،فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي !

(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما ...... ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا 105 -116) لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي.

فماذا يملك الإنسان أن يقول ؟ ألا أنه المنهج الفريد ، الذي يملك - وحده - أن يلتقط الجماعة البشرية ، من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة ، في مثل هذا الزمن القصير.

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-25-2009, 05:43 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،

نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لينشى ء به أمة ، وليقيم به دولة ، ولينظم به مجتمعا ، وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ، وليحدد به روابط ذلك المجتمع ، فيما بينه ، وروابط تلك الدولة مع سائر الدول ، وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم. وليربط ذلك كله برباط قوي واحد ، يجمع متفرقة ، ويؤلف أجزاءه ، ويشدها كلها إلى مصدر واحد ، وإلى سلطان واحد ، وإلى جهة واحدة وذلك هو الدين.

ومن ثم نجد في سورة المائدة - كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها- موضوعات شتى ، الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه: إنشاء أمة ، وإقامة دولة ، وتنظيم مجتمع ، على أساس من عقيدة خاصة ، وتصور معين ، وبناء جديد. الأصل فيه إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ، وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.

وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية ، وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم . إلى جانب تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها وحقيقة دورها ، وطبيعة طريقها. إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم وروح الجماعة المسلمة ، وتربطها بربها. إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ، والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها. إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح ، أو ألوانا من الأعمال والمسالك. كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة يمثل معنى "الدين" كما أراده الله.

على أن السياق القرآني لا يكتفي بهذا المعنى الضمني ، إنما ينص عليه نصا ، ويؤكده تأكيدا ، ويتكئ عليه اتكاء شديدا وهو ينص على أن هذا كله هو "الدين" ، وأن الإقرار به كله هو "الإيمان"، وأن الحكم به كله هو "الإسلام" و الذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون. وأنهم يبتغون حكم الجاهلية. وهذا الأصل الكبير هو الذي يبرز في هذه السورة بروزا واضحا مقررا منصوصا عليه نصا . إلى جانب تصحيح التصور ألاعتقادي الذي يقوم عليه هذا الأصل الكبير.

ومن ثم تتوارد النصوص هكذا في ثنايا السورة ، في تقرير الألوهية الواحدة ، ونفي كل شرك أو تثليث أو خلط بين ذات الله - سبحانه - وبين غيره، أو بين خصائص الألوهية ، وخصائص العبودية على الإطلاق (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم).

ويتضمن سياق السورة أحكاما شرعية منوعة: منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح ومن الصيد. ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي المسجد الحرام. ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام من النكاح. ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة. ومنها ما يتعلق بالقضاء وإقامة العدل فيه. ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة وفي الخروج على الجماعة المسلمة. ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام. ومنها ما يتعلق بالكفارات في قتل الصيد مع الإحرام وفي اليمين. ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت. ومنها ما يتعلق بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من الأنعام، ومنها ما يتعلق بشريعة القصاص في التوراة مما جعله الله كذلك شريعة للمسلمين. وهكذا تلتقي الشرائع بالشعائر في سياق السورة بلا حاجز ولا فاصل!

وإلى جوار هذه الأحكام الشرعية المنوعة يجيء الأمر بالطاعة والتقيد بما شرعه الله وما أمر به ، والنهي عن التحريم والتحليل إلا بإذنه ، ويجيء النص على أن هذا هو الدين الذي ارتضاه الله للأمة المؤمنة بعد أن أكمله وأتم به نعمته (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ) (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله) وهذا هو الدين كما أخذ الله ميثاق العباد جميعا عليه ، وكما جاء به كل الرسل من عنده.

شأن آخر يتناوله سياق السورة، ذلك هو شأن هذه الأمة المسلمة، دورها الحقيقي في هذه الأرض، وموقفها تجاه أعدائها، وكشف هؤلاء الأعداء، وكيدهم لهذه الأمة ولهذا الدين، وبيان ما هم عليه من الضلالة والانحراف في عقيدتهم، وما هم عليه كذلك من العداء للجماعة المسلمة وإجماع الكيد لها. والتي سبق الحديث عنها في السور الثلاث الطوال السابقة.

إن كتاب هذه الأمة هو كتاب الله الأخير للبشر ، وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور ، ولكنه - بما أنه هو الكتاب الأخير- يهيمن على كل ما سبقه وإليه تنتهي شريعة الله التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين ، فما أقره من شرائع أهل الكتاب قبله فهو من شرع الله ، وما نسخه فقد فقد صفته هذه وإن كان واردا في كتاب من الكتب المنزلة.

ومن ثم فإن دور هذه الأمة هو أن تكون الوصية على البشرية ، تقيم العدل في الأرض ، غير متأثرة بمودة أو شنآن ، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة ، ومن مقتضيات أن هذه الأمة هي وارثة الرسالات ألا تتولى من يكفرون بهذا الدين ، ومن يتخذون فرائضه وشعائره هزوا ولعبا، إنما تتولى الله.

ومع تقارب الموضوعات التي تعالجها السور الطوال الثلاث السابقة مع الموضوعات التي تعالجها هذه السورة - كما يبدو من هذا الاستعراض السريع - فإنه تبقى لكل سورة "شخصيتها" أسلوبها الخاص في معالجة هذه الموضوعات ، والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير. سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ، أو المبادئ ء والتوجيهات ، التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ، ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ، في أسلوب التقرير الدقيق ، وهو الطابع العام المميز للسورة . من بدئها إلى منتهاها.

وقبل أن ننهي هذا التقديم السريع للسورة يحسن أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها. فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة (اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها ، وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة ، كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية، فلا تعديل فيها ولا تغيير ، فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره. وتعديل شيء فيه كإنكاره كله ، لأنه إنكار لما قرره الله من تمامه وكماله ، وهذا الإنكار هو الكفر الذي لا جدال فيه. أما العدول عنه كله إلى منهج آخر ، ونظام آخر ، وشريعة أخرى ، فلا يحتاج منا إلى وصف ، فقد وصفه الله - سبحانه- في السورة.

إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي ، والشعائر التعبدية ، والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله ، يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله ، وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور ، دون خروج على أصل فيه ولا فرع ، لأنه لهذا جاء ، ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين.


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-26-2009, 06:52 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،

سورة الأنعام من القرآن المكي الذي ظل يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة. هي العقيدة والإقرار بالعبودية لله. فلم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ، ليختزنوها جاهزة ، حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا. إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته.

هذه السورة هي أولى السور المكية التي نتعرض لها هنا في سياق هذه السلسلة وهي نموذج كامل للقرآن المكي ; وهي تمثل طبيعة هذا القرآن وخصائصه ومنهجه ، في موضوعها الأساسي ، وفي منهج التناول، مع احتفاظها "بشخصيتها" الخاصة ; وفق الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن.

لقد روى أبو بكر بن مردويه بإسناده عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين ، لهم زجل بالتسبيح ، والأرض بهم ترتج. ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم . سبحان الله العظيم.

هذا الموكب، وهذا الارتجاج، واضح ظلهما في السورة ! إنها هي ذاتها موكب. موكب ترتج له النفس، ويرتج له الكون ! إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات ! والموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل ; فلا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع، كل مقطع منها يعالج جانبا من الموضوع.

إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ فيها الظلمات والنور ، وترقب الشمس والقمر والنجوم . وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات ، والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها ; وتقف بها على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية . ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر ، وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ، والحبة المستكنة في ظلمات الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم . ثم تموج بالجن والإنس، والطير والوحش، والأولين والآخرين، والموتى والأحياء، والحفظة على النفس بالليل والنهار.

هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية، قضية الألوهية والعبودية، تعالجها بتعريف العباد برب العباد. من هو ، ما مصدر هذا الوجود ، ماذا وراءه من أسرار ، من هم العباد ، من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود ، من أنشاهم ، من يطعمهم ، من يكفلهم ، من يدبر أمرهم ، من يقلب أفئدتهم وأبصارهم ، من يقلب ليلهم ونهارهم ، من يبدئهم ثم يعيدهم ، لأي شيء خلقهم ، ولأي أجل أجلهم ، ولأي مصير يسلمهم. هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك، من بثها في هذا الموات. هذا الماء الهاطل . هذا البرعم النابغ. هذا الحب المتراكب. هذا النجم الثاقب. هذا الصبح البازغ. هذا الليل السادل . هذا الفلك الدوار . . هذا كله من وراءه، وماذا وراءه من أسرار، ومن أخبار، هذه الأمم، وهذه القرون، التي تذهب وتجيء، وتهلك وتستخلف، من ذا يستخلفها، ومن ذا يهلكها، لماذا تستخلف، ولماذا يدركها البوار، وماذا بعد الاستخلاف والابتلاء والوفاة من مصير وحساب وجزاء.

هكذا تطوف السورة بالقلب البشري، ولكنها تمضي في هذه كله على منهج القرآن المكي، وعلى منهج القرآن كله. إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية في العقيدة ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار. إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق ; لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق.

تبدأ السورة بمواجهة المشركين ، الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى ، بينما دلائل التوحيد تجبههم وتواجههم وتحيط بهم وتطالعهم في الآفاق وفي أنفسهم. تبدأ بمواجهتهم بحقيقة الألوهية متجلية في لمسات عريضة تشمل الوجود كله ; وتشمل وجودهم كله. تبدأ في لمسات ثلاث ترسم مجالي الوجود الكبيرة على أقصى عمق واتساع:

(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ، ثم أنتم تمترون . وهو الله في السماوات وفي الأرض ، يعلم سركم وجهركم ، ويعلم ما تكسبون) ثلاث آيات تذرع الوجود الكوني كله في الآية الأولى ، وتذرع الوجود الإنساني كله في الآية الثانية. ثم تحيط الألوهية بالوجودين كليهما في الآية الثالثة ! فأي إعجاز ، وأية روعة ، وأي شمول ، وأية إحاطة !

وأمام هذا الوجود الكوني الشاهد بوحدة الخالق تبدأ الموجة التالية تعرض موقف المكذبين بآيات الله هذه المبثوثة في الكون والحياة (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) (قل:سيروا في الأرض ، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).

ومن هنا تبدأ موجة ثالثة في التعريف بحقيقة الألوهية (لمن ما في السماوات والأرض ، قل:لله) ثم تبدأ موجة رابعة تتحدث عن معرفة أهل الكتاب لهذا الكتاب الجديد الذي يكذب به المشركون (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)

ثم تبدأ موجة خامسة ، يلتفت فيها السياق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسليه ويسري عنه ما يحزنه من تكذيبهم له ولما جاءهم من عند الله به (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك ، ، ثم إليه يرجعون).

وفي موقف شهادة الفطرة ، واهتدائها الذاتي إلى ربها الحق ، بمجرد تفتحها لاستقبال دلائل الهدى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة) (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما أنا من المشركين) (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

وفي مشهد الحياة النابضة (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي).

وأخيرا في موقف الابتهال والإنابة إلى الله الواحد بلا شريك (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم:دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي ربا ، وهو رب كل شيء).

وفي مشاهد القيامة ومشاهد الاحتضار ترد هذه الوقفات (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال:أليس هذا بالحق ، قالوا:بلى وربنا ! قال :فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ، والملائكة باسطوا أيديهم.

وفي مواقف التهديد ببطش الله وأخذ المكذبين بسلطانه الذي لا يرد (قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ; أغير الله تدعون) (قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) (قل:أي شيء أكبر شهادة ، قل:الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون).

والواقع أن سياق السورة في تماسكه وفي تدافعه وفي تدفقه يوقع في القلب أن هذه السورة نهر يتدفق , أو سيل يتدفع , بلا حواجز ولا فواصل، فلنقرأها مستشعرين هذه العظمة.

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-27-2009, 01:16 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،

نقف اليوم مع السورة المكية الثانية "الأعراف" بعد ما وقفنا مع سورة الأنعام، ويبقى الموضوع الأساسي للمرحلة المكية هو العقيدة. ولكن ما أشد اختلاف المجالين اللذين تتحرك فيهما السورتان في معالجة هذا الموضوع الواحد ، وهذه القضية الكبيرة !

فبينما سورة الأنعام تعالج العقيدة في ذاتها ، وتعرض موضوع العقيدة وحقيقتها ، وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالاً ونحن نقدم السورة وآمل أن نكون قد لمسناها ونحن نقرأها في هذا الشهر الكريم . أما هنا فنجد سورة الأعراف وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك تأخذ طريقاً آخر، إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري، في مجال رحلة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها.

في هذا المدى المتطاول تعرض "موكب الإيمان" من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ . يواجه بها البشرية جيلاً بعد جيل. فيرسم سياق السورة في تتابعه كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى ، كيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته ، كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله ، وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة.

لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء "الجنة"، ممثلة في شخصين اثنين "آدم وزوجه حواء" أبوي البشر عليهما السلام، وانطلق معهما الشيطان. مأذونا من الله في غوايتهما وغواية ذراريهما ومأخوذاً عليهما عهد الله وعلى ذراريهما كذلك. ومبتلي كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار ، ليأخذوا عهد الله بقوة أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة ، وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يزال يجلب عليهم بخيله ورجله ، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم !

انطلقت البشرية من هناك ، من عند ربها سبحانه ، انطلقت إلى الأرض. تعمل وتسعى ، وتكد وتشقى ، وتعمر وتخرب ، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد. ثم ها هي ذي تؤوب ! وها نحن أولاء نلمحها من خلال السياق عائدة إلى ربها بما معها. حتى إذا عادت إلى نقطة المنطلق وضع كل منها حمله أمام الميزان، ووقف يرتقب في خشية ووجل. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ! وكل فرد على حدة يلاقي حسابه ، ويلقى جزاءه.

ويظل سياق السورة يتابع أفواج البشرية، فوجاً فوجاً. إلى جنة أو إلى نار. حتى تغلق الأبواب التي فتحت لاستقبال المغتربين العائدين. فقد كانوا هنالك في هذه الأرض مغتربين (كما بدأكم تعودون ، فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ، ويحسبون أنهم مهتدون).

وبين الغدو والرواح تعرض معارك الحق والباطل، معارك الهدى والضلال، معارك الرهط الكريم من الرسل والموكب الكريم من المؤمنين ، مع الملأ المستكبرين والأتباع المستخفين. ويعرض الصراع المتكرر فكل الرسل قالوا (… يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ … 59 و 65 و73 و 85). كما نلحظ أن لسياق يقف للتذكير والتحذير. وهذه الوقفات تجيء وفق نظام ملحوظ في سياق السورة، فبعد كل مرحلة هامة يبدو كما لو كان السياق يتوقف عندها ليقول كلمة ! كلمة تعقيب ، للإنذار والتذكير ، ثم يمضي.

نجد السياق يمضي هادئ الخطو ، سهل الإيقاع ، تقريري الأسلوب. وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة في سيرها المديد ، مرحلة مرحلة ، حتى تؤوب ! وقد يشتد الإيقاع أحياناً في مواقف التعقيب ، ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطو الوئيد الرتيب !

أما منهج السورة في معالجة موضوع العقيدة فيبرز فيه أن السورة لا تكتفي بعرض قصة هذه العقيدة في التاريخ البشري مجرد عرض في أسلوب قصصي. إنما هي تعرضها في صورة معركة. ومن ثم فإنها تعرضها في مشاهد ومواقف ، وتواجه بهذه المشاهد والمواقف ناساً أحياء كانوا يواجهون هذا القرآن ، فيواجههم هذا القرآن بتلك القصة الطويلة ، ويخاطبهم بما فيها من عبر ، مذكرا ومنذرا ، ويخوض معهم معركة حقيقية حية. ومن ثم تجيء التعقيبات في السياق عقب كل مرحلة أساسية ، موجهة لأولئك الأحياء الذين كان القرآن يخوض معهم المعركة ، وموجهة كذلك إلى أمثالهم ممن يتخذون موقفهم على مدار التاريخ .

إنه القرآن: لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة، ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلا. إنه لا يقرر حقائقه للنظر المجرد، ولا يقص قصصه لمجرد المتاع الفني ! ويركز السياق على التذكير والإنذار في وقفاته للتعقيب. كما يركز على نقطة الانطلاق ، وعلى نقطة المآب. وبينهما يمر بقصص قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب.

بعد ذلك يعرض السياق قصة موسى مع فرعون وملئه، ومع قومه بني إسرائيل وتستغرق القصة أكبر مساحة استغرقتها في سورة، وقد شملت حلقة مواجهة فرعون بحقيقة العقيد، ثم استمر السياق مع بني إسرائيل. وفي موقف من مواقف القصة يُدخل السياق الرسالة النبوية الأخيرة ويصف طبيعتها وحقيقتها (لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 157).

بعدها ، يأمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلن طبيعة رسالته ، وحقيقة دعوته، وحقيقة ربه ، والأصل ألاعتقادي الواحد الذي جاء به الرسل جميعاً من قبله (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 158).

ثم يتجه السياق إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان افتتاح السورة خطابا له، كيف يعامل الناس، كيف يمضي بهذه الدعوة، كيف يستعين على متاعب الطريق، كيف يذكر ربه ويبقى موصولا به، كما يذكره من عنده في الملأ الأعلى:

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ 199وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 200 إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ 201 وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ 202 وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 203 وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 204 وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ 205 إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ 206 الأعراف).

وهكذا تختم السورة بأول سجدة في القران - من حيث ترتيب المصحف - وما أجملها من خاتمة.

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"




















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-28-2009, 12:09 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

نعود الآن إلى القرآن المدني بعد سورتي الأنعام والأعراف المكيتين، ونحن نسير وفق ترتيب المصحف لا وفق ترتيب النزول. نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة بعد تسعة عشر شهراً من الهجرة على الأرجح (أنصح بالاطلاع على بعض تفاصيل الغزوة من هنا). فغزوة بدر - بملابساتها وبما ترتب عليها في تاريخ الأمة الإسلامية وفي التاريخ البشري جملة - تقوم معلماً ضخماً في طريق تلك الأمة وفي طريق هذا التاريخ. وقد سمى الله عز وجل يومها (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).

نزلت سورة الأنفال تعرض وقائع الغزوة الظاهرة، وتكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة ، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله ، وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة وبأسلوب القرآن المعجز. وسنكتفي كما اعتدنا في هذه السلسلة باستعراض الخطوط الأساسية في السورة:

إن هنالك حادثاً بعينه في الغزوة يلقي ضوءاً على خط سيرها ، ذلك هو ما رواه ابن إسحاق - عن عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه ، قال: "فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه على السواء.

لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الوقعة التي جعلها الله فرقاناً في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة ! ولقد أراد الله - سبحانه - أن يعلمهم ، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أموراً عظاماً: إن هذه الوقعة أكبر كثيراً من أمر الغنائم التي يختلفون عليها. لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال وبيان حكم الله فيها وردها إلى الله والرسول ودعوتهم إلى تقوى الله ، وإصلاح ذات بينهم.

ثم جعل يذكرهم بأمرهم وتدبيرهم لأنفسهم وتدبير الله لهم ، ومدى ما يرونه من واقع الأرض ومدى قدرة الله من ورائه ومن ورائهم (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون .... ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون 8).

ثم ذكرهم بما أمدهم به من العون ، وما يسره لهم من النصر (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) وهكذا يمضي سياق السورة في هذا المجال ، يسجل أن المعركة بجملتها من صنع الله وتدبيره بقيادته وتوجيهه ، فترد أمثال هذه النصوص (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ..17 ) (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ..26) (...لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ...42)

كما تتكرر الدعوة في السورة إلى الثبات، وعدم الخروج للحرب بطراً ورئاء الناس، ويؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريض المؤمنين عليها وترد أمثال هذه النصوص في بيان هذه المعاني (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار) (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) .

وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إلى الله. ففي مسألة الأنفال يردون إلى تقوى الله، وفي خطة المعركة يردون إلى قدر الله وتدبيره (...لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً...42) و في أحداث المعركة ونتائجها يردون إلى مدده وعونه فيها (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) وفي الأمر بالثبات فيها يردون إلى ما يريده الله لهم بها من حياة ( إذا دعاكم لما يحييكم ).

وفي تحديد الهدف من وراء المعركة يقرر (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) ( ليحق الحق ويبطل الباطل).

و وفي تنظيم العلاقات في المجتمع المسلم وبينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى تبرز العقيدة قاعدة للتجمع وللتميز (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ...)

ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد )إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ...) )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال).

هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية. و إذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر ، وفي التعقيب عليها ، فإننا ندرك من هذا طرفاً من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة ، وإعدادها لقيادة البشرية ، وجانباً من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر ، مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة: لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة، ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية ، لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم ! فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة ، أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى.

وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة ، وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة ، كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، والغنائم والأسرى ، والمعاهدات والمواثيق ، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة ، كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي ، الذي ينشئ التصور ألاعتقادي ، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني. وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.

ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها، كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوباً عميقاً.

واستطرد السياق أحياناً إلى صور من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في مكة ، وهم قلة مستضعفون في الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس ، ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله ، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة ، وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدها ، وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه.

هذه لمعرفة شيء عن غزوة بدر الكبرى ومن ثم قراءة هذه السورة الكريمة التي نزلت في هذا الشهر الكريم.

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"




















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-29-2009, 01:53 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

سورة التوبة مدنية بل من أواخر ما نزل من القرآن، ومن ثم قد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض. كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا.

السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة، لكنها لم تنزل دفعة واحدة، و يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى منها كانت قبل غزوة تبوك ، والمرحلة الثانية كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها ، والمرحلة الثالثة كانت بعد العودة منها.

أما مقدمة السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها فقد نزلت متأخرة في نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج. وقد تضمنت هذه الآيات تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في الجزيرة، مع إبراز الأسباب الواقعية والتاريخية والعقيدية التي يقوم عليها هذا التحديد. (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).

أما المقطع الثاني فقد تضمن تحديدا للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة ، مع بيان الأسباب التي تحتم هذا التحديد (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وظاهر كذلك من الأسلوب القرآني في هذا المقطع أنه مواجهة لما كان في النفوس يوم ذاك من تهيب وتردد في مواجهة أهل الكتاب عامة. وحقيقة إن المقصود - كان - بالمواجهة ابتداء هم الروم وحلفاؤهم من نصارى العرب في الشام وما وراءها.

في المقطع الثالث يبدأ النعي على المتثاقلين الذين دعوا إلى التجهز للغزوة فتثاقلوا (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، وظاهر من صيغ التأنيب والتهديد والتوكيد المكررة في هذا المقطع ، ومن تذكير الذين آمنوا بنصر الله للرسول عليه الصلاة والسلام إذ أخرجه الذين كفروا، ظاهر من هذا كله ما كان في الموقف من مشقة ، اقتضت هذا الحشد من التأنيب والتهديد والتوكيد والتذكير.

ثم يجيء المقطع الرابع في سياق السورة - وهو أطول مقاطعها ، وهو يستغرق أكثر من نصفها - في فضح المنافقين وأفاعيلهم في المجتمع المسلم ، ووصف أحوالهم النفسية والعملية ، ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها ، وكشف حقيقة نواياهم وحيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصف ، وإيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام والخلص من المؤمنين ، يصاحب هذا الكشف تحذير الخلصاء من المؤمنين من كيد المنافقين ، وتحديد العلاقات بين هؤلاء وهؤلاء ، والمفاصلة بين الفريقين وتمييز كل منهما بصفاته وأعماله. وهذا القطاع يؤلف في الحقيقة جسم السورة (الفاضحة)، ولن نملك أن نستعرض هنا هذا القطاع بطوله فنكتفي بفقرات منه تدل على طبيعته:

(لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة) (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ، ألا في الفتنة سقطوا) (ويحلفون بالله إنهم لمنكم ، وما هم منكم ، ولكنهم قوم يفرقون) (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).

وهذه الحملة الطويلة الكاشفة تشي بما كان للمنافقين في هذه الفترة من محاولات كثيرة لإيذاء الصف المسلم وفتنته وشغله بشتى الفتن والدسائس والأكاذيب عن وجهته ، كما أنها في الوقت ذاته تكشف عن حالة من الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة ، يشير إليها قول الله سبحانه (وفيكم سماعون لهم) كما يشير إليها النهي المشدد عن الاستغفار للمنافقين أو الصلاة عليهم. هذه الحالة التي نشأت عن دخول جماعات كثيرة في الإسلام بعد الفتح لم يكن الإيمان قد استقر في قلوبهم.

والمقطع الخامس في سياق السورة هو الذي يتولى هذا التصنيف ، ومنه نعلم أنه كان إلى جوار السابقين المخلصين من المهاجرين والأنصار - وهم الذين كانوا يؤلفون قاعدة المجتمع المسلم الصلبة القوية - جماعات أخرى، كالأعراب وفيهم المخلصون والمنافقون والذين لم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان والمنافقون من أهل المدينة ، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تماما ، وطائفة مجهولة الحال لا تعرف حقيقة مصيرها متروك أمرها لله، ومتآمرون يتسترون باسم الدين ! والنصوص القرآنية تتحدث عن هذه الجماعات كلها في اختصار مفيد ، وتقرر كيف تعامل في المجتمع المسلم.

(الأعراب أشد كفرا ونفاقا) (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة) (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، عسى الله أن يتوب عليهم) )وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين).

والمقطع السادس في سياق السورة يتضمن تقريرا لطبيعة البيعة الإسلامية مع الله على الجهاد في سبيله وطبيعة هذا الجهاد وحدوده ، وواجب أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب فيه ، وأنه لا يحل لهم أن يتخلفوا عنه وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، وضرورة المفاصلة مع المشركين والمنافقين ، وفي ثنايا هذا المقطع يرد بيان لما قضى الله به في شأن (الثلاثة الذين خلفوا) الذين تخلفوا عن الغزوة مخلصين غير منافقين، و وصف لبعض أحوال المنافقين وموقفهم تجاه ما يتنزل من القرآن الكريم:

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ..)

وفي النهاية تختم السورة بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوجيهه من ربه إلى التوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه (لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم).

اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنات الأعين وما تخفي الصدور...

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
 
قديم 08-30-2009, 01:33 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
حسن الحازمي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية حسن الحازمي
 
إحصائية العضو







حسن الحازمي غير متواجد حالياً

افتراضي يونس

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي، بعدما عشنا مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني. و القرآن المكي بجوه الخاص، ومذاقه المعين، الذي يعينه موضوعه الأساسي وهو في اختصار:حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، وحقيقة العلاقات بينهما.

سورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء ، وقد حمي الجدل من المشركين حول صدق الوحي ، وحول هذا القرآن ، وما يواجههم به من تسفيه لعقائدهم ، ومن تنديد بجاهليتهم ، ومن كشف لما في كيانها من تناقض واضح ، تناقض بين ما يعتقدونه من أن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المدبر المتصرف في كل شيء ، القادر على كل شيء - وهي الجذور الباقية من حنيفية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وبين ما يدعونه لله سبحانه من الولد ، حيث كانوا يدعون أن الملائكة بنات الله ، ويتخذونهم شفعاء عند الله ، ويعبدون تماثيلهم من الأصنام على هذا الاعتبار! ثم ما ينشأ عن هذا الاضطراب العقيدي من آثار في حياتهم ، وفي أوله ما كان يزاوله الكهان والرؤساء فيهم من تحريم وتحليل في الثمار والأنعام ، وجعل نصيب منها لله ونصيب لآلهتهم المدعاة !

وعندئذ كانوا يواجهون حملة القرآن على عقائدهم المهلهلة وجاهليتهم المتناقضة بأن يكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نبوته والوحي إليه من ربه، ويزعمون أنه ساحر ! وأن يطلبوا منه أن يأتيهم بخارقة تدل على أن الله أوحى إليه، ويفتتنون في طلب هذه الخوارق كما سياتي في سورة الإسراء. كذلك كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بقرآن غير هذا ، لا يتعرض لآلهتهم وعقائدهم، كي يستجيبوا له ويؤمنوا به ! كما قال الله عنهم في هذه السورة (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) وكان الرد على مثل هذا التعسف الساذج (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).

والسورة كلها لحمة واحدة ، يصعب تقسيمها إلى مقاطع، شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص. وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة ، فإن أكثر من نصفها الأول (و تحديدا إلى الآية 70) يعد مقطعا واحدا يعالج قضية الايمان بالله ، ثم تجيء قصة نوح عليه السلام مختصرة ثم قصة موسى عليه السلام مع إشارة إلى قصة يونس عليه السلام، فتؤلف مقطعا آخر ، ثم تجيء الإشارات الأخيرة بخطاب مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم فتؤلف المقطع الأخير الذي يرتبط بالمقطع الأول بشكل ظاهر.

إنها تواجه ابتداء موقف المشركين في مكة من حقيقة الوحي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن هذا القرآن ذاته بالتبعية ، فتقرر لهم أن الوحي لا عجب فيه، وأن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ 1 أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ 2).

وتواجه طلبهم خارقة مادية - غير القرآن - واستعجالهم بالوعيد الذي يسمعونه ، فتقرر لهم أن آية هذا الدين هي هذا القرآن ، وهو يحمل برهانه في تفرده المعجز الذي تتحداهم به ، وأن الآيات في يد الله ومشيئته ، وأن موعدهم بالجزاء يتعلق بأجل يقدره اللّه ، والنبي لا يملك شيئا فهو عبد من عباد الله ، وفي هذا جانب من التعريف لهم بربهم الحق وحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 3) ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 47 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 48 قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ 49).

وتصور لهم حضور الله - سبحانه - وشهوده لكل ما يهم به البشر ، وكل ما يزاولون من نية وعمل ، مما يملأ الحس البشري بالرهبة والروعة ، كما يملؤه بالحذر واليقظة، وذلك في مثل قوله تعالى في هذه السورة (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 61).

كذلك تملأ نفوسهم بالتوجس والتوقع لبأس الله في كل لحظة ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 50 أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ 51) وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة ، وتكذيبهم بلقاء الله ، بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7).

كما تحتشد السورة بمشاهد هذا الكون وظواهره، الموحية للفطرة البشرية بحقيقة الألوهية، الدالة على التدبير الحكيم، والقصد المرسوم في بناء هذا الكون وتصريفه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 3) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5) (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ 101)

وتحتشد بمصارع الغابرين من المكذبين ، آناً في صورة الخبر ، وآناً في صورة قصص بعض الرسل ، وتلتقي كلها عند عرض مشاهد التدمير على المكذبين ، وتهديدهم بمثل هذا المصير الذي لقيه من قبلهم ، فلا تغرنهم الحياة الدنيا ، فإن هي إلا فترة قصيرة للابتلاء ، أو ساعة من نهار يتعارف فيها الناس ، ثم يعودون إلى دار الإقامة في العذاب أو في النعيم ! (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13 ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ 14)

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ... 71) (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ 75) مع إشارة لقوم يونس ثم يعقب عليها بقوله (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ 102 ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ 103).

والترابط في سياق السورة يوحد بين مطلعها وختامها ، فيجيء في المطلع قوله تعالى (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ 1 أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ 2) ويجيء في الختام (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ 109)

وقد سميت السورة سورة يونس ، بينما قصة يونس فيها لا تتجاوز إشارة سريعة على هذا النحو (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ 98) ولكن قصة يونس - مع هذا - هي المثل الوحيد البارز للقوم الذين يتداركون أنفسهم قبل مباغتة العذاب لهم ، فيثوبون إلى ربهم وفي الوقت سعة ، وهم وحدهم في تاريخ الدعوات الذين آمنوا جملة بعد تكذيب ، فكشف عنهم العذاب الذي أوعدهم به رسولهم قبل وقوعه بهم ، كما هي سنة الله في المكذبين المصرّين.

اللهم ردنا إليك ردا جميلا...

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"




















التوقيع


---------------------------------------

مدرسة الحياة
http://www.hassanalhazmi.net
---------------------------------------
{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . إن الشيطان ينزغ بينهم } (الاسراء:53).
رد مع اقتباس
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

يحتوي مشاركات جديدة   يحتوي مشاركات جديدة
لا يحتوي مشاركات جديدة   لا يحتوي مشاركات جديدة


Loading...


Design and installation by servtop.com
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd لينكات
حماية من طرف شبكة سعيدة