بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
سورة النساء مدنية وآياتها ست وسبعون ومائة وهي أطول سور القرآن - بعد سورة البقرة - و هذه السورة تمثل جانبا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة ، وإنشاء المجتمع الإسلامي ; وفي حماية تلك الجماعة. كما تصور طبيعة هذا الكائن الإنساني وتفاعله مع المنهج الرباني وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد ، من السفح الهابط ، إلى القمة السامقة، خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة.
إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه ; وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه، وجلاء شخصيته الخاصة. والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - اليهود والمشركين- وأعدائه المتميعين فيه - المنافقين- وكشف وسائلهم وحيلهم ومكايدهم. مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط.
وحين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء، قد ينالنا الدهشة لعمق هذه الرواسب. والذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية، يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار "الأميين" في الجزيرة العربية، في ذلك الحين، لهذه الرسالة العظيمة . حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة، بكل مقوماتها، ليعرف فيهم أثر هذا المنهج ، وليتبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة، التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر، في كل ما عرفت الأرض من مناهج ، وليرتسم فيهم خط هذا المنهج، بكل مراحله - من السفح إلى القمة - وبكل ظواهره، وبكل تجاربه ; ولترى البشرية - في عمرها كله - أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة، أيا كان موقفها في المرتقى الصاعد. سواء كانت في درجة من درجاته ، أم كانت في سفحة الذي التقط منه "الأميين" ! فماذا نحن واجدون - في هذه السورة - من ملامح المجتمع الجاهلي التي ظلت راسبة في الجماعة المسلمة؟
نجد مجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام - وبخاصة اليتيمات - في حجور الأهل والأولياء والأوصياء ، ويستبدل الخبيث منها بالطيب ، ويعمل فيها بالإسراف والطمع ، خيفة أن يكبر اليتامى فيستردوها ! وتحبس فيه الصغيرات من ذوات المال ، ليتخذهن الأولياء زوجات ، طمعا في مالهم لا رغبة فيهن !
ونجد مجتمعا يجار فيه على الصغار والضعاف والنساء ; فلا يسلم لهم فيه بنصيبهم الحقيقي من الميراث. إنما يستأثر فيه بمعظم التركة الرجال الأقوياء، القادرون على حمل السلاح ; ولا ينال الضعاف فيه إلا الفتات.
ونجد مجتمعا يضع المرأة موضعا غير كريم ، ويعاملها بالعسف والجور . في كل أدوار حياتها . يحرمها الميراث - كما قلنا - أو يحبسها لما ينالها منه ; ويورثها للرجل كما يورثه المتاع ! علاوة على اضطراب قواعد التبني والولاء، واصطدامها مع قواعد القرابة والنسب، فوق ما فيه من فوضى في العلاقات الجنسية والعائلية.
وإن كنا نقر بأنه لم يكن - قطعا - مجتمعا بلا فضائل . فقد كانت له فضائله ، التي تهيأ بها لاستقبال هذه الرسالة الكبرى. ولكن هذه الفضائل إنما استنقذها الإسلام استنقاذا ، ووجهها الوجهة البناءة . وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام هذه الرذائل، مفرقة غير متجمعة، وضائعة غير موجهة.
لذا نجد الهدف الأساسي هو تنظيم المجتمع المسلم على أساس التكافل والتراحم. كما نجد هدفا آخر لا يقل عنه عمقا ولا أثرا في حياة المجتمع المسلم - إن لم يكن هو الأساس الذي يقوم عليه الهدف الأول - ذلك هو تحديد معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ، وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الفرد وحياة المجتمع بذلك المعنى المحدد للدين ، وهذا التعريف المضبوط للإيمان والإسلام .
ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ...) (من يطع الرسول فقد أطاع الله 80). .(ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا 115).
كما نجد آية الافتتاح تقرر وحدة البشرية ، وتدعو الناس إلى رعاية وشيجة الرحم ، وتعد مقدمة لسائر التنظيمات التي تلتها في السورة . تبدأ بدعوة الناس إلى تقوى ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) وتنتهي إلى تقواه، وتحذيرهم من رقابته (إن الله كان عليكم رقيبا). كما نجد الآيات التي تحض على رعاية أموال اليتامى، تنتهي بالتذكير بالله (وكفى بالله حسيبا). وتوزيع أنصبة الميراث في الأسرة يجيء وصية من الله (يوصيكم الله في أولادكم) (فريضة من الله). . وتنتهي تشريعات الإرث بهذا التعقيب (تلك حدود الله...) وهكذا ترتبط سائر التنظيمات والتشريعات بالله ، وتستمد من شريعته ، وترجع الأمور كلها إلى هذه القيادة التي لها وحدها حق الطاعة والإتباع.
ويترتب على إقرار ذلك الأصل الكبير أن يكون ولاء المؤمنين لجماعتهم المؤمنة. وإلا فهو الشرك أو النفاق ، وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال (ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم ، وساءت مصيرا . إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا).
ويستتبع هذا الأمر حملة ضخمة للحض على الجهاد بالنفس والمال ، والتنديد بالمعوقين والمبطئين والقاعدين . وهي حملة تستغرق قطاعا كبيرا من السورة ، يرتفع عندها نبض السورة الهادئة الأنفاس ! ويشتد إيقاعها ، وتحمى لذعاتها في التوجيه والتنديد ! وكذلك تجيء في ثنايا الحديث عن الجهاد بعض الأحكام الخاصة بالصلاة في حالة الخوف وحالة الأمن ; مع توصيات الله للمؤمنين وتحذيرهم من أعدائهم المتربصين.
ويستتبع الأمر بالجهاد كذلك حملة ضخمة على المنافقين وعلى موالاتهم لليهود في المدينة بينما هم يكيدون لدين الله، وللجماعة المسلمة، وللقيادة المسلمة كيدا شديدا (ويقولون طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ...). والباعث الرئيسي لهم (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ، وآتيناهم ملكا عظيما).
كما تقرر السورة وحدة الألوهية وحقيقة العبودية، وتبين حقيقة قدر الله وعلاقته بخلقه، وحقيقة الأجل وعلاقته بقدر الله، وحدود ما يغفره الله من الذنوب، وحدود التوبة وحقيقتها وقواعد العمل والجزاء... إلى آخر هذه المقومات الاعتقادية الأصيلة.
ومما نجده جليا في هذه السورة أمر الله للأمة المسلمة بالأمانة المطلقة، وبالعدل المطلق "بين الناس" على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، وقومياتهم وأوطانهم. فيقول لهم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا).
ونجد الآيات ذوات العدد من القرآن تتنزل لإنصاف يهودي "فرد" من اتهام ظالم، وجهته إليه عصبة من المسلمين، ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادئ السامقة بعد ،فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي !
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما ...... ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا 105 -116) لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي.
فماذا يملك الإنسان أن يقول ؟ ألا أنه المنهج الفريد ، الذي يملك - وحده - أن يلتقط الجماعة البشرية ، من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة ، في مثل هذا الزمن القصير.
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"